لم ولن يصدّق أحد أن حالة ​حزب الله​ ستنتهي بين ليلة وضحاها، وأنه من السهل نزع سلاحه وتقويض شعبيته في الشارع الشيعي. ولكن الأحداث المتسارعة أظهرت بما لا يقبل الشك أن قدرات الحزب العسكرية أولاً، والسياسية ثانيًا، قد تراجعت بشكل كبير، حتى إن أصواتًا بدأت تخرج إلى العلن تنتقد الحزب وسياسته التي أدت إلى نتائج كارثية عليه وعلى ​لبنان​ واللبنانيين. تدهور حالة الحزب بهذا الشكل يضعه أمام خيارات أحلاها مرّ: فهو لم يعد يمكنه التعويل على قدراته العسكرية التي كانت في ما مضى تمثل توازن رعب في وجه ​إسرائيل​، وكل ما يمكنه فعله عمليًا إذا ما استمرت إسرائيل في التباهي بتفوقها العسكري واحتلالها للأراضي اللبنانية، هو العودة إلى نموذج المقاومة الأولى، أي نحو 40 عامًا إلى الوراء والبدء من الصفر. ولم يعد بمقدوره التهديد بضرب المستوطنات أو تل أبيب أو غيرها من المناطق في الداخل الإسرائيلي. وحتى اللجوء إلى خيار المقاومة الأساسية، دونه عقبات كبيرة، لأن إيران لم تعد في الوقت الحالي –على الأقل– قادرة على التمويل كما في السابق، ولم يعد الإسرائيليون بحاجة إلى التواجد على الأرض بقواتهم البرية التي يمكن إلحاق الأذى بها، كما أن العمل على تفعيل القوات الدولية البديلة عن "​اليونيفيل​"، والتي من المفترض أن ترافق الجيش اللبناني في الجنوب، سيكون أكثر فعالية في ضبط تحركات الحزب.

هذا على الصعيد العسكري. أما على الصعيد السياسي والشعبي، فمن الممكن أن يعود الحزب إلى الواجهة السياسية، ولكن عليه أولاً إعادة لمّ شمل قاعدته الشعبية التي أصيبت بشكل كبير جراء الأحداث والتطورات، ومعرفة كيفية تخطي الصعوبات الداخلية التي تراكمت، والاعتماد على رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحضور السياسي، وإنشاء شبكة تحالفات جديدة كليًا لتأكيد البقاء في الساحة.

مفاد هذا الواقع المستجد أن الزمن انقلب على الحزب، بفعل استراتيجيته الخاطئة أولاً، وبفعل شبكة معقدة من الأحداث، وربما الحظ، أدت إلى وجود رئيس وزراء إسرائيلي مصاب بالجنون الكلي (​بنيامين نتنياهو​) ونجح في الرهان على ما لم يكن في الحسبان، حتى أرواح الإسرائيليين، في سبيل تنفيذ مشاريعه وأهدافه الخاصة. وقد التقى هذا المشهد مع الأفكار الغريبة والعجيبة لرئيس أميركي خارج عن المألوف هو ​دونالد ترامب​، في ظل ضعف أوروبي لم يسبق له مثيل، واهتزاز عربي خليجي هو الأسوأ منذ عقود.

وإذا تمكن الحزب من تخطي عقبة الاستحقاق الانتخابي الأخير، فهو أمام مشكلة حقيقية عند الاستحقاق المقبل، وعليه بناء ما خسره بسرعة مضاعفة، وإلا استغل منافسوه الوقت واللحظة الحرجة التي يعيشها لتحقيق مكاسب تضعه في موقف حرج جدًا وتهدد حضوره الفاعل على الساحة. من الطبيعي ألا ينتهي حزب الله سياسيًا، ولكن من غير الطبيعي حاليًا ألا يخفّ هذا الحضور إلى حدود متدنية جدًا، وهنا تكون المصيبة مضاعفة عليه، خصوصًا وأن الدعم الإيراني سيخفّ بدوره بفعل الصعوبات التي تواجهها ​طهران​ على أكثر من صعيد.

على الحزب، إذا ما أراد الاستمرار، أن يستوعب ما حصل على وجه السرعة، وأن يبدأ العمل منذ اليوم لبناء ما تهدّم أو تصدّع من صورته التي صنعها على مدى نحو 40 عامًا. ستكون الخطوة الأولى على درب الألف ميل، ولكن لن يكون هناك من بديل لها، لأن بقاءه سيكون على المحك، وستكون المعركة الأشرس التي سيخوضها بطبيعة الحال.